(أزاهِير التفسِير)

  د محمد عمر دولة

الجزء الأوَّل: ويَتَضَمّنُ:
# أَوَّلاً: مُقَدِّمَةُ أَزَاهِيرِ التَّفْسِيرِ
# ثانياً: فنُّ الاستماعِ إلى القرآن
# ثالثاً: سُبُلُ الانْتِفَاعِ بالقُرْآن
# رابعاً: مَدْخَلٌ إلى سُورَةِ الفاتحة
# خامساً: تفسير الاستعاذة
# سادساً: تفسير الفاتحة
أَوَّلاً: مُقَدِّمَةُ أَزَاهِيرِ التَّفْسِيرِ:
الحمد لله الذي (علَّم القرآنَ خلقَ الإنسانَ علَّمَه البيان)، والصلاة والسلام على الحبيب الذي كان يُطيَّب بعرقِه الطِّيب، ويَحِنُّ إلى كفِّه الغصنُ الرَّطيب، وتنبع من بين أصابعه الشريفة قِراحُ العيون، وتُشفَى بأناملِه قُروحُ الجفون، ومَن قال الله تعالى فيه: (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يومِ الدين.
وبعد، فإنَّ تفسيرَ القرآنِ مِن أعظمِ العلومِ وأوسعِها وأجلِّها وأنفعِها، كما قال ابن الجوزي رحمه الله: "لما كان القرآنُ العزيزُ أشرفَ العلوم؛ كان الفهمُ لمعانيه أوفَى الفُهومِ؛ لأنَّ شرفَ العلمِ بشرفِ المعلوم" زاد المسير 1/1.
وما ظنُّك بعلمٍ هو عِنوانُ السعادةِ في الأُولى والآخِرة؛ كيف لا والعبدُ في مَعِيَّةِ رَبِّ العالمين وصُحبةِ الآياتِ والذِّكرِ الحكيم؛ فهو يتفيَّأُ في كلِّ حِينٍ كلامَ المفسِّرين ويَجْنِي عُلومَ الراسِخِين رحمة الله عليهم أجمعين.
هذا وكلُّ عاقلٍ يعلم أنَّ حاجةَ المسلمين ماسَّةٌ إلى معرفةِ مَعانِي القرآنِ لاسيما في هذا الزمان الذي كثرتْ فيه الفِتَنُ واستشرى الفسادُ، واستهدف أعداءُ الإسلامِ هذه الأمةَ في دينِها؛ فسلَّطُوا عليها غَزْواً فِكريّاً وحَرباً أخلاقيَّةً تُكمِّل خططَه العسكرية؛ فلا صلاحَ ولا خلاصَ للمسلمين إلا بالتمسُّك بهذا القرآنِ العظيم (والذين يُمَسِّكُون بالكتابِ وأقاموا الصلاةَ إنا لا نُضيعُ أجرَ المصلِحين).
أهدافُ الكتاب:
وقد أردتُ مِن تأليفِ (أزاهيرِ التفسير) تحقيقَ أهدافٍ عديدةٍ بإذن اللهِ تعالى، منها:
[1] تقريب التفسيرِ إلى التَّالِينَ كتابَ الله:
وذلك بوضعِ تفسيرٍ مُختصَرٍ بهامشِ المصحفِ؛ حتى يتسنَّى لكلِّ قارىءٍ أن يُطالعَ معنى الآية التي يتلُوها، ويعلمَ ما قال العلماءُ فيها؛ فيزداد فهماً وتدبُّراً؛ وعِلْماً نافِعاً وعملاً صالحاً، كما قال الله عزَّ وجَلَّ: (كتابٌ أنزلناه إليك مُباركٌ ليدَّبَّروا آياتِه ولِيَتذكَّرَ أُولو الألباب). فمن تمامِ النصيحةِ لكتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ ولعامةِ المسلمين أن يُقرِّبَ العبدُ إلى إخوانِه كلامَ المفسِّرين ويُقِرَّ أعينَهم بفوائدِ الراسِخِين ولطائفِ العارِفِين؛ فتكون في مُتناوَلِ أيدِيهم مُختارةً مُنتقاةً، لا يحتاجُون إلى مراجعةِ الأمهاتِ والبحثِ في رُفوفِ المكتبات وبُطونِ المُجلَّدات. وقد ذكرَ النوويُّ رحمه الله من النصيحةِ لكتابِ اللهِ أُموراً منها: "تفهُّمُ عُلومِه وأمثالِه، والاعتبارُ بمواعظِه، والتفكُّرُ في عجائبِه، والعملُ بمُحْكَمِه، والتسليمُ لمتشابِهه، والبحثُ عن عُمومِه وخُصوصِه وناسخِه ومنسوخِه، ونشرُ عُلومِه، والدعاءُ إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحتِه" شرح النووي على مسلم 2/ 38 – 39.
[2] جمعُ محاسِن التفسير:
فمن الإنصافِ تقريرُ حاجةِ طلابِ العلمِ إلى مَكتبةِ التفسيرِ كلِّها: قديمِها وحديثِها؛ ذلك أنَّ طالبَ العلمِ مَنْهومٌ؛ فلا يُمْكِنُه الاكتفاءُ بكتابٍ واحدٍ مِن هذه التفاسير؛ ولو كان لابن جريرٍ أو ابنِ كثير! ذلك أنَّ الأنفُسَ مجبولةٌ على حُبِّ الأزاهير. كما أنَّ حاجةَ عامةِ المسلمين اليومَ ماسَّةٌ إلى جمعِ مَحاسنِ هذه التفاسيرِ كلِّها في كتابٍ واحدٍ؛ يشتمِلُ على أروعِ (الأزاهيرِ) في العقيدة والتربية والتزكية والاجتماع وغير ذلك. وهذا العملُ لَعَمْري لا يُعِينُ على تيسيرِه إلا ربُّ العالمين؛ وما توفيقي إلا باللهِ؛ عليه توكلتُ وإليه أُنيب.
[3] نصيحةُ المسلمين، والردُّ على كيدِ الكافرين:
فإنَّ مما يُدمي القلبَ وينكأ الفؤادَ إعراضَ بعضِ المسلمين عن كتابِ ربِّهم، واستجابتَهم لشبهاتِ أعداءِ المسلمين وحملاتِ اليهودِ والنَّصارى الحاقِدِين، وميلَهم إلى ثقافةِ الغربِ الكافرِ؛ ظنّاً منهم بقصورِِ هذا الدِّينِ! وما ذاك إلا بسببِ جَهْلِهم بِدِينِهم وغُرْبَتِهم عن كتابِ ربِّهم؛ ورَحِمَ اللهُ ابنَ القيم حيث قال: "سبحان الله! ماذا حُرِمَ الْمُعْرِضُون عن نُصوصِ الوحيِ واقتباسِ العلمِ مِن مِشكاتِه من كُنوزِ الذخائر؟! وماذا فاتَهُمْ مِن حياةِ القلوبِ واستنارةِ البصائر؟ قَنَعُوا بأقوالٍ استَنْبَطَتْها مَعاوِلُ الآراء فِكْراً، وتقطَّعُوا أمرَهم بينَهم لأجلِها زُبُراً، وأوحى بعضُهم إلى بعضٍ زُخرُفَ القولِ غُروراً؛ فاتَّخَذُوا لأجلِ ذلك القرآنَ مهجوراً! درَسَتْ معالمُ القرآنِ في قُلوبِهم فليسوا يعرفونها، ودثَرَتْ مَعاهِدُه عندَهم فليسوا يَعْمُرونها، ووقَعَتْ ألْوِيَتُهُ وأعلامُه مِن أيدِيهم فليسوا يَرفَعُونها، وأفلَتْ كواكبُه النَّيِّرَةُ من آفاقِ نفوسِهم؛ فلذلك لا يُحِبُّونها!" مدارج السالكين 1/5.
[4] إنقاذُ كلِّ مَقطُوعٍ مَخدوعٍ:
فإنَّ مِن الناسِ في زمانِ الفِتَنِ مَن حِيلَ بينَه وبينَ قلبِه والعياذُ بالله حيث استُهدِفَ في دِينِه واستُلِبَ في عقلِه؛ فظَنَّ غُثاءَ الألسنة يَشفيه، ومزابلَ العُقول تَكفيه، وبُنَيَّات الطريق تهديه؛ (كسرابٍ بِقِيعةٍ يحسبُه الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) النور 39؛ فليس شيءٌ من زَبَدِ الثقافاتِ المتدفقة مثل غُثاءِ السَّيْلِ في العالمِ كُلِّه يُمْكِنُ أنْ يُعْطِيَنا بَعضاً مَن الكنوزِ التي يَهَبُها لنا كتابُ ربِّنا مِن المعرفةِ والهُدى والعقيدةِ والآدابِ والقِيَمِ والأخلاقِ؛ فلا نهضةَ لنا ولا نَماَء ولا حضارةَ ولا بِناء إلا بهذا القرآن، كما قال القرطبِيُّ رحمه الله: "جَعَلَ أمثالَه عِبَراً لمن تَدبَّرَها، وأوامِرَه هُدًى لمن استَبْصَرَها، وشَرَحَ فيه واجِباتِ الأحْكام، وفَرَّقَ فيه بين الحلالِ والحرام، وكَرَّرَ فيه المواعظَ والقصصَ للإفهام، وضربَ فيه الأمثالَ، وقَصَّ فيه غيبَ الأخبارِ، فقال تعالى: (ما فَرَّطْنا في الكتابِ مِن شيء) الأنعام 38" الجامع 1/1. وصدقَ اللهُ العظيم: (أفمن أسَّسَ بُنيانَه على تقوى من اللهِ ورضوانٍ خَيْرٌ أمْ مَنْ أسَّسَ بُنيانَه على شفا جُرُفٍ هارٍ فانهارَ به في نارِ جهنَّمَ واللهُ لا يهدي القومَ الظالمين) التوبة 109.
[5] تيسيرُ تدبُّرِ القرآن:
إنَّ مِن المحزِنِ أنَّ بَينَنا وبين القرآنِ شُقَّةً بعيدةً حتى لخاصَّةِ المتعلِّمِين الذين "وَرِثُوا الكتابَ ودَرَسُوه؛ ولكنَّهم لم يَتَكَيَّفُوا به، ولم تتأثَّرْ به قلوبُهم" في ظلال القرآن 9/1387. وشتانَ بين مَن يقرأُ القرآنَ ويختمُه دون أن يعرفَ منه حِكَماً ولا أحكاماً؛ حتى إذا سُئلَ عن معنى ظاهرٍ لم يعرفْه! وبين مَن يتعلَّم بين يَدَيْ تلاوتِه أو حِفظِه أو مُذاكَرتِه مَسألتين أو ثلاثاً أو أكثرَ من ذلك؛ فتُعينُهُ على تدبُّرِ القرآنِ وفَهمِ ألفاظِه ومَعانِيه؛ فيزداد نُوراً وهُدًى. فهذا أنفعُ لَعمري من كثرةِ القراءة الخالية من الفقهِ والتدبُّر؛ لاسيما وقد روى ابن مسعود أنَّ النيَّ قال: (لا يفقهُ مَن قرأه في أقلَّ من ثلاث) أخرجه أبو داود والترمذي. وقد روى عقبة بن عامر أنَّ رسول الله قال: (أفلا يَغْدُو أحدُكم إلى المسجدِ فيعلمَ أو يقرأَ آيتين من كتابِ الله عز وجلَّ خيرٌ له من ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادِهنَّ من الإبل) رواه مسلم.
ولله دَرُّ ابنِ القيم حيث قال: "قراءةُ آيةٍ بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خيرٌ مِن قراءةِ ختمةٍ بغيرِ تدبُّرٍ وتفهُّمٍ، وأنفعُ للقلبِ وأدْعَى إلى حُصولِ الإيمانِ وذوقِ حلاوةِ القرآنِ" مفتاح دار السعادة ص221, ورحم الله الزركشيَّ حيث قال: "مَن لم يكنْ له عِلمٌ وفهمٌ وتقوى وتدبُّرٌ؛ لم يُدركْ من لذَّةِ القرآنِ شيئاً" البرهان 2/171[نقلا عن تدبُّر القرآن لسلمان السنيدي ص29].
[6] العناية بنشرِ الفهمِ الصحيحِ للقرآن:
وقد حثَّ اللهُ عبادَه على التفكُّرِ في الأمثال، كما قال تبارك وتعالى: (ولقد ضَرَبْنا للناسِ في هذا القرآنِ مِن كلِّ مثلٍ لعلَّهم يتذكَّرون) الزمر27، وامتدحَ مَن فَهِمَ أمثالَ القرآنِ وعَقَلَ مَعانِيَها، فقال جلَّ جلالُه: (وتلك الأمثالُ نضربُها للناسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُون) العنكبوت43. وذمَّ اللهُ عزَّ وجلَّ مَن لا يَتدبَّرُ القرآن، ولا يَقِفُ على مَعانِيهِ فقال جلَّ جلالُه: (أفلا يَتدبَّرُون القرآنَ أم على قُلوبٍ أقفالُها) محمد 24، وقال في شأنِ أهلِ الكتابِ: (مثلُ الذين حُمِّلوا التوراةَ ثم لم يحمِلوها كمثلِ الحمارِ يحمل أسفاراً) الجمعة 5.
ومن تمام فهمِ القرآنِ فهماً صحيحاً: إدراكُ أنه كتابُ هِدايةٍ؛ لأنَّ تصحيحَ العقيدة وتزكيةَ القلوبِ وهدايةَ العقولِ وتربيةَ المجتمع هي الوَظائفُ العظمى للقرآنِ، كما قال تعالى: (ولقد جِئناهم بكتابٍ فصَّلْناهُ على عِلْمٍ هُدًى ورَحمةً لقومٍ يُؤمِنون) الأعراف 52، وقال جَلَّ جلالُه: (ما كان حديثاً يُفتَرَى ولكنْ تصديقَ الذي بين يَدَيْهِ وتفصيلَ كلِّ شيءٍ وهُدًى ورحمةً لقومٍ يؤمنون) يوسف 111، وقال تبارك وتعالى: (ونزَّلْنا عليك الكتابَ تِبْياناً لكلِّ شَيءٍ وهُدًى ورَحمةً وبُشْرَى للمُسلِمين) النحل 89.
[7] تنقية التفسير:
فالملاحظ أنَّ التفاسير تمثِّلُ مرآةً لما يهتم به المفسِّرون من العلومِ المختلفةِ؛ وهذا سرُّ تنوُّعِ الأساليبِ وتعدُّدِ المناهج. وهو ما يُفسِّرُ كيفَ طغَتْ المباحثُ اللغوية والبلاغية والكلامية على بعضِ التفاسيرِ؛ حيث ترى بعضاً ممن يشتغلُ بالتفسيرِ يُطوِِّعُه للعلمِ الذي يَمِيلُ إليه؛ فيَسترسِلَ فيه ويحملُ القارىءَ عليه؛ فليسَ المسلمون اليومَ في حاجةٍ إلى كثيرٍ مِن مَباحثِ الإعرابِ وشواذِّ القراءات ودَقائقِ المَسائلِ وغوامضِ الكلاميّات؛ فكم أضَرَّتْ هذه المباحثُ بالتفسيرِ وكدَّرَتْ مِن صَفْوِ عُلومِ الإسلامِ الكثيرَ! وإنما حاجةُ أُمَّتِنا اليومَ إلى النَّواحي العَقَدِيَّة والإيمانيَّة التي تُثْمِر العِلمَ النافع والعملَ الصالح، والدُّرُوسِ التَّربوية وثمارِها الفكرية والنفسية والاجتماعية التي تُزَكِّي القلبَ وتَهْدِي العقلَ وتُؤلِّفُ بين قُلوبِ المسلمين.
[8] إحياء الوظيفةِ التربوية للتفسير:
إنَّ القرآنَ دستورُ هذه الدعوةِ، ومَنبعُ الهدايةِ لهذه الأُمة؛ ومن هنا فإنَّ كلَّ تغليبٍ للنَّواحِي النظرية يُؤدِّي إلى التقصِيرِ في هذه الوظيفةِ الأساسية، كما قال عزَّ وجلَّ: (اللهُ نزَّلَ أحسنَ الحديثِ كتاباً مُتشابهاً مثانيَ تَقشِعرُّ منه جُلودُ الذين يَخْشَوْنَ ربَّهم ثم تَلِينُ جُلودُهم وقُلوبُهم إلى ذِكرِ الله ذلك هُدى اللهِ يهدي به من يشاء ومن يُضلل اللهُ فما له من هاد) الزمر 23.
فمِن المهمات أن تَعُودَ للتفسيرِ رُوحُه التربوية ووظيفتُه الدَّعويَّة. فليس القرآنُ كتابَ خيالٍ ومَنطقٍ ومُناظرةٍ؛ وإنما هو كتابٌ يُعالج واقعَ المسلمين، ويَعِظُهم حتى يرتقوا إلى مُستوى الأمانةِ المنوطةِ بعاتقِهم، ويشفيهم من العِلَلِ الفكرية والنفسية والاجتماعية، كما قال تعالى: (يا أيها الناسُ قد جاءتكم موعظةٌ من ربِّكم وشفاءٌ لما في الصُّدُورِ وهُدًى ورحمةٌ للمؤمنين) يونس 57. وقال عزَّ وجَلَّ: (قلْ هو للذين آمنوا هُدًى وشفاء) فُصِّلَتْ 44، وقال تعالى: (ونُنَزِّلُ من القرآنِ ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين) الإسراء 82.
[9] تقريب التفسير إلى عامة المسلمين:
لا ريبَ أنَّ المطَّلِعَ على مُؤلفاتِ التفسير يعلم أنَّ بعضَها مثل (تفسير القرآن العظيم) لابن كثير رحمه الله قد لقي إقبالاً عظيماً؛ حيث أمكَنَ لكثيرٍ من عامة المسلمين دراستُه دون عناء. وأنَّ كُتباً أُخرى مثل (الكشاف) للزمخشري و(مفاتيح الغيب) للرازي ظلَّتْ كتبًا للخَواصِّ يتعذَّرُ على عامةِ المسلمين الاستفادةُ منها؛ ذلك أنَّ العامة ينفرون من الكتب إذا كانت كثيرةَ المسائلِ عسيرَةَ المباحثِ جافَّةَ الأسلوبِ؛ وهذا بلا رَيبٍ يَحْرِمُ عامَّةَ المسلمين مِن فَهْمِ كلامِ ربِّ العالمين؛ فلا بُدَّ لمن يريد تفسير القرآن أن يُراعِيَ أربعةَ أُمورٍ تُمكِّن العامةَ من معرفة التفسير: أولها: مُراعاةُ المادةِ المُختصَرةِ اليسيرة التي يسهُل الاستفادةُ منها لكلِّ أحدٍ. ثانياً: انتقاءُ النافعِ المفيدِ. ثالثاً: اعتمادُ التشويقِ في الأسلوبِ من حيث جمال العبارة وروعة الإشارة، كما سيأتي تفصيلُها في المنهج. رابعاً: التماسُ اللفظِ السهلِ القريبِ الخالي من التعقيد. ورحمَ اللهُ ابنَ القيم حيث قال: "لا تجد هذا التكلفَ الشديدَ والتعقيدَ في الألفاظِ والمعاني عند الصحابةِ أصلاً؛ وإنما يُوجَدُ عند من عدلَ عن طريقِهم؛ وإذا تأمَّلَه العارفُ وَجَدَهُ (كلحمِ جملٍ غَثٍّ على رأسِ جَبَلٍ وَعِرٍ؛ لا سهلٌ فيُرتَقى، ولا سَمينٍ فيُنتقَل)؛ فيُطَوِّلُ عليك الطريقَ ويُوسِّع لك العبارةَ، ويأتي بكلِّ لفظٍ غريبٍِ ومعنى أغرب من اللفظ؛ فإذا وصلتَ لم تجدْ معك حاصلاً طائلاً، ولكنْ تسمع جعجعَةً ولا ترى طِحْناً" مدارج السالكين 3/436-437.
[10] تصحيحُ الصورةِ المشوَّهة لأساليبِ المفسِّرين:
حيث يظنُّ المحرومُ من الإطلاعِ على كُتُبِهم أنَّها خاليةٌ من هُمُومِنا، غريبةٌ عن عصرِنا؛ لا يُمكن أن تُفيدَنا في حَلِّ قضايانا؛ لأنها خاصةٌ بأُمةٍ قد خلَتْ ومرحلةٍ تاريخيةٍ قد مضت، وهذا وهمٌ من الأوهام؛ فإنَّ قواعدَ المفسِّرين ثابتةٌ، وفوائدهم باقيةٌ على مَرِّ الدَّهر، بل إنَّ بعضَ عباراتِهم كأنما كُتِبَتْ في عَصْرِنا؛ لأنَّ هُمُومَ المسلمين واحدة، والأخطار التي تُواجِهُهم من المبطلين مُتشابهةٌ وإن تباعَدَتْ بهم القرون؛ ألا ترى إلى ما كتبه القرطبي قبلَ أكثرَ من سبعةِ قُرون في تفسير قولِ الله عزَّ وجلَّ: (وإنْ يأتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عليكم إخْراجُهم أفتؤمنون ببعضِ الكتابِ وتكفرون ببعض) البقرة 58 فقال رحمه الله: "قال علماؤنا: كان اللهُ تعالى قد أخذَ عليهم أربعةَ عُهُودٍ: تَرْكُ القتلِ، وتَرْكُ الإخراجِ، وتَرْكُ المظاهرة، وفداءُ أُساراهم. فأعْرَضُوا عن كلِّ ما أُمِرُوا به إلا الفداء؛ فوبَّخَهم الله على ذلك توبيخاً يُتْلَى فقال: (أفتؤمنون ببعضِ الكتاب) وهو التوراة (وتكفُرون ببعض) قلتُ: ولَعَمْرُ اللهِ لقد أعرَضْنا نحنُ عن الجميع بالفتن؛ فتظاهرَ بعضُنا على بعضٍ ـ ليتَ بالمسلمين بلْ ـ بالكافرين؛ حتى تَرَكْنا إخوانَنا أذِلاءَ صاغِرِين يجري عليهم حُكمُ المشركين؛ فلا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العليِّ العظيم!" الجامع لأحكام القرآن 2/22.
منهج الكتاب:
وأما منهجي الذي أستَعِينُ بالله على التزامِه في (أزاهير التفسير)، فيتمثل في ما يلي:
[1] مُراعاة الاختصار:
وأرْجُو أن يكونَ وَسَطاً عَدْلاً، ليس طويلاً مُمِلاًّ، ولا قصيراً مُخِلاًّ؛ بلْ مختصَراً يسيراً؛ يجمع علماً غزيراً؛ فقد كثرتْ في زمانِنا الشواغلُ عن العُلُومِ والطاعاتِ، وقلَّتْ فيه بركةُ الأوقات، وضعفَتْ فيه الهممُ والعزائم؛ وصار مُحَبَّباً إلى الناسِ كلُّ سهلٍ قريبٍ وإنْ كان قليلَ الفائدة، مَذموماً لديهم كلُّ ما طال وكثر؛ مهما عظمَتْ فائدتُه وجلَّتْ قيمتُه وأينعتْ ثمرتُه. فلما كان هذا حالُ الكثيرين في هذا الزمان؛ وجَبَ مُراعاةُ الاختصار؛ فقد صارت المجلَّداتُ مَقبرةً للكلمات، وباتَتْ الأسفارُ مَثْوًى للأفكار؛ فما يُودَعُ في المجلَّداتٍ فقد دُفنَ في مقبرةٍ مِن ورقٍ؛ فلا يكادُ يَصِلُ إليه إلا بعضُ طلابِ العلمِ الذين يدرُسُون الأُمَّهاتِ ويعكُفُون على المُجلَّداتِ.
[2] التزام منهج السلف في البحث:
ذلك أنَّ المفسِّرين السابقين كانوا أصحابَ عَملٍ ولم يكونوا أصحابَ جدلٍ؛ فمَنَّ اللهُ عليهم بأن أبعدَهم عن التكلُّفِ؛ وصانَهم عن الخوضِ مع الخائضين؛ لأنَّ مَن كان باللهِ أعرفَ كان منه أخوف؛ فقد سَلَّموا لربِّهم ما لا يعلمون فسَلِمُوا، وقالوا مقالةَ الراسخين: (آمنَّا به كلٌّ من عند ربِّنا). وما أحسنَ ما شهد به الحافظ ابنُ رجب بذلك للراسخين من العلماء الربّانيِّين فقال: "أما فقهاءُ أهلِ الحديث العاملون به؛ فإنّ معظمَ همِّهم البحثُ عن معاني كتاب الله عزّ وجل، وما يفسِّره من السنن الصحيحة... ثم التفقه فيها وفهمها... ومسائل الحلال والحرام وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك...وفي معرفة هذا شُغلٌ شاغلٌ عن التشاغُل بما أُحدِث من الرأي ما لا يُنتَفَع به وما لا يقع؛ وإنما يُورث التجادلُ فيه الخصوماتِ والجدالَ وكثرةَ القيل والقال!" جامع العلوم والحِكَم ص 124.
وما تنكَّبَ أحدٌ هذا الطريقَ ـ ولو كان أحدَ الأذكياء أو مَعدوداً في العلماءِ ـ إلا أتَى بزلاتٍ كما تراه في أشياءَ مِن تفسيرِ (الكشافِ) مع سعةِ مَعرفتِه باللغةِ والبلاغةِ والأدبِ وأشعارِ العرب؛ ولكنَّ منهجَه في قضايا الاعتقاد كان على غير طريقِ السلف الصالح، فأكثرَ العلماءُ في الردِّ عليه والتحذير منه، كما تراه على سبيلِ المثالِ في ردِّ القرطبي وابن كثير عليه في تفسير قولِه تعالى: (خَتَمَ اللهُ على قلوبِهم). وقل مثلَ ذلك في اختيارات بعضِ المفسِّرين عند توسُّعِهم في البحثِ بمعزلٍ عن كلامِ الراسِخين، كما تراه في ردِّ ابنِ كثير على الرازي في تفسيرِه في مسألة تعلُّم السِّحرِ رحمة اللهِ. وفي هذا عبرةٌ لأُولي الألباب؛ فإنَّ العلمَ المبارَك هو ما كان على السلفِ الصالح؛ وما ظَنُّك بمنهجٍ جمعَ الدليلَ الصحيحَ والرأيَ الرَّجيحَ؛ وتحت الرغوةِ اللبنُ الفصيح!
وإنَّ من المبشِّرات في هذه الأيامِ إقبالَ الصحوةِ الإسلامية على الاقتداءِ بمنهجِ السلفِ الصالحِ، ولكنَّ من المهمِّ أن لا يُقتَصرَ ذلك على قضايا الاعتقاد؛ بل يشمُلُ مَناهِجَ البحثِ والتأليفِ والتربيةِ والاجتماعِ والسُّلوكِ. فمن الملاحظِ أنَّ كثيراً مِن المؤلِّفين قد ابتعدوا عن منهجِ السلفِ وابتَدَعُوا أساليبَ عَقيمةً في البحثِ، وهَجَرُوا مَناهجَ القدماء وطَرَحُوا طرائقَ العلماء؛ لقلَّةِ حَظِّهم من الفَهمِ وانشغَلُوا بمسائلَ مِن قُشورِ العلم؛ حتى صار طالبُ العِلمِ لا يكاد يجدُ في كُتبِ هذا الزمانِ كلاماً سديداً وعِلماً رشيداً؛ إلا مَن كان يغترفُ مِن عِلمِ السابقين، ويَتَّبِعُ سبيلَ الراسخين:
وقد كُنَّا نََعُدُّهُمُ قليلا فقد صارُوا أقلَّ مِن القليلِ!
[3] تركُ الإطنابِ والاستطراد:
ولا يخفى أنَّ الاستطرادَ يَضرُّ أكثرَ مما ينفع، كما أنَّّ الإكثارَ مِن توليدِ المسائل، وتفريعِ المباحث؛ يُذْهِبُ التشويق، ويُبعِدُ صاحبَه عن التحقيق. ومن أمثلة ذلك: قول الرازي رحمه الله: "الحمدُ كلمةٌ جليلةٌ شريفةٌ؛ فيجب على العاقلِ إجلالُ هذه الكلمةَ من أن يذكرَها في مُقابلةِ نِعَمِ الدنيا" التفسير الكبير1/238-239. مع أنَّ النبي قال فيما رواه أنس: (إنَّ الله لَيرضَى عن العبدِ يأكُل الأَكْلةَ؛ فيحمده عليها، ويشربُ الشَّرْبةَ؛ فيحمده عليها) أخرجه مسلم. وقد يكون الأمرُ أشدَّ من هذا إذا تعلَّقَ بإيرادِ شُبهةٍ قد تَعْلَقُ في بعضِ الأذهانِ والقلوبُ خطَّافةٌ، أو ذكرِ إشكالٍ دون استيفاء الجواب عنه؛ فلا خيرَ للمسلمين فيما كان ضررُه أقربَ من نفعِه!
[4] انتقاء الأزاهير:
ولا يخفى أنَّ مِفتاحَ الفَهمِ بعدَ توفيقِ اللهِ عزَّ وجلَّ الإطِّلاعُ على كلامِ المفسِّرين وأهلِ العِلمِ ِالرَّاسِخِين الذين فَهِمُوا القرآنَ ووَعَوْه، وحَفِظُوه وتَدبَّرُوه، وعَرفُوا عُلومَه واستخرَجُوا كُنوزَه، وأدركوا مَعانيَه وأمثالَه وقَصصَه وحِكَمَه وأحكامَه. كما قال القرطبي رحمه الله: "فصارَ الكتابُ أصلاً، والسُّنةُ له بياناً، واستنباطُ العلماءِ له إيضاحاً وتِبْياناً" الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/2. ولذلك عَمَدْتُ إلى استخراجِ هذه (الأزاهيرِ) من كُتُبِ (التفسير)؛ حتى يُراجعَها الطالبُ والمُعلِّمُ والواعِظُ، وما أجملَ أن تلتفَّ الأسرةُ المسلمةُ حولَ قطُوفٍ من (أزاهيرِ التفسير)؛ لتتدبرَ كلامَ ربِّ العالمين، وتتلقَّى فهمَ القرآنِ من العلماء الراسخين. ومَن عكفَ على كتبِ التفسير؛ علم أنَّ كلماتِ المفسِّرين الراسِخين لها في الأنفسِ أثرٌ عجيبٌ؛ فهي تشفي العَليل وتروي الغَليل، وتُحيي قلوبَ المسلمين وتعمُرها بالقِيَم، ورُبَّ كلماتٍ تُوقِظُ العقولَ والعزائمَ وتبني الحضاراتِ والأُمَم!
[5] العناية بدلالات الإشارةِ المستنبطة من الآيات:
ورحمَ الله السعدي حيث قال في تفسير قولِ الله تعالى: (وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورِها ولكنَّ البرَّ من اتَّقَى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبوابِها واتَّقُوا اللهَ لعلَّكم تُفلِحُون) البقرة 189."يُستفاد من إشارةِ الآيةِ أنه ينبغي في كلِّ أمرٍ من الأُمُور أن يأتِيَهُ الإنسانُ من الطريقِ السَّهلِ القريب، الذي قد جُعِلَ له مُوصِلاً، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ينبغي أن ينظرَ في حالة المأمورِ، ويستعملَ معه الرِّفقَ والسياسةَ التي بها يحصلُ المقصودُ أو بعضُه، والمتعلِّم والمعلِّم ينبغي أن يسلكَ أقربَ طريقٍ وأسهلَه يحصل به مقصوده؛ وهكذا كلُّ من حاول أمراً من الأمور وأتاه من أبوابه وثابر عليه؛ فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود" تيسير الكريم الرحمن ص 88-89.
[6] الاهتمامُ بالنواحي الجمالية:
وذلك بالاحتفاءِ بذكرِ الألفاظِ المشرقة والمعاني المورقة والأساليبِ المؤثِّرة. والمرادُ بجمالِ المعاني: إدْراكُ لطائفِ المناسباتِ وأسرارِ الآياتِ، وعُمْقُ الفَهمِ لِخَفايا الحِكَمِ وبدائعِ الإشارات: مثل قول ابن عاشور رحمه الله مُبَيِّناً الآفاتِ النفسية والاجتماعية للنفاق: "النفاقُ يجمع الكذبَ والجُبنَ والمكيدةَ وأفَنَ الرأي والبَلَهَ وسوءَ السلوكِ والطمعَ وإضاعةَ العمرِ وزوالَ الثقة وعداوةَ الأصحابِ واضمحلالَ الفضيلةِ" التحرير والتنوير 1/261.
وأما جمالُ الألفاظِ فمعروفٌ، ومثالُه قولُ السعدي رحمه الله في تفسيرِ قولِ اللهِ تعالى: (وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتَّبعُ ما ألْفَيْنا عليه آباءنا) البقرة 170: "فاكتفَوْا بتقليدِ الآباءِ, وزَهِدُوا في الإيمانِ بالأنبياء!" تيسير الكريم الرحمن ص 81.
وأما الأساليبُ المؤثِّرة: فالمرادُ بها: العناية ببيانِ أساليبِ القرآنِ وفُنونِه البديعة مثل استعمالِ الألفاظِ برسمِ صورةِ الحركةِ النفسيَّةِ المعبِّرة، كما في قولِه تعالى: (فأزَلَّهما الشيطانُ عنها) قال سيد قطب رحمه الله: "يا لَلتعبيرِ المُصوِّر (أزلَّهما) إنه لفظٌ يرسُمُ صورةَ الحركة التي يعبِّر عنها؛ وإنك لتكاد تلمح الشيطانَ وهو يُزَحْزِحُهما من الجنة، ويدفع بأقدامِِهما؛ فتزلُّ وتهوي" في ظلال القرآن 1/58.
[7] العناية بطُرُقِ التربية وفقهِ الدعوةِ وجوامعِ الوعظِ وأساليبِ الحكمة؛ التي ينتفع بها الفردُ والأسرةُ والجماعة المسلمة. فالقرآنُ كتابُ هِدايةٍ وتزكيةٍ؛ وقد قال الله عزَّ وجَلَّ: (كما أرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعلِّمُكم ما لم تَكونوا تعلَمون) البقرة151 قال السعدي رحمه الله: "أي يُطهِّر أخلاقَكم ونُفوسَكم؛ بتربيتِها على الأخلاقِ الجميلة, وتَنْزيهِها عن الأخلاقِ الرَّذِيلة: وذلك كتزكيتِهم من الشِّركِ إلى التوحيدِ, ومن الرِّياءِ إلى الإخلاصِ, ومن الكذبِ إلى الصِّدقِ, ومِن الخيانةِ إلى الأمانةِ, ومِن الكِبْرِ إلى التواضُعِ, ومِن سُوءِ الخُلُقِ إلى حُسْنِ الخُلُقِ, ومِن التَّباغُضِ والتَّهاجُرِ والتقاطُعِ إلى التحابِّ والتواصُلِ والتوادُدِ, وغير ذلك من أنواعِ التزكية" تيسير الكريم الرحمن ص 74. وسيجد القارىء بإذن الله جُمَلاً جليلةً من الثمرات التربوية التي يستنبطها المفسِّرون من الآيات: مثل ما يحتفي به القرطبي في جامعه بقولِه: "قال أربابُ المعاني". وهذا من الوفاءِ بأهمِّ أغراضِ القرآن؛ فقد "أمرَ فيهِ وزجرَ، وبشَّرَ وأنذر، وذكرَ المواعظَ لِيُتذَكَّر، وقصَّ عن أحوالِ الماضين لِيُعتبَر، وضربَ فيه الأمثالَ لِيُتدَبَّر، ودلَّ على آياتِ التوحيدِ لِيُتفكَّر" معالم التنزيل للبغوي 1/33.
[8] ذِكْرُ ما يتعلق بهمومِ المسلمين:
فإنَّ هذا أوْلَى ما ينبغي ذِكْرُه والعنايةُ به؛ لأنَّ هذا القرآنَ جاء ليعالِجَ قضايا المسلمين، ويُمكِّن هذا الدِّينَ، ويُبصِّرَ هذه الأُمةَ بأعدائها. كما قال السعدي رحمه الله في تفسيرِ قولِ اللهِ تعالى: (ولا يَزالُون يُقاتِلُونَكم حتى يَرُدُّوكم عن دِينِكم إن اسْتطاعوا): "هذا الوصفُ عامٌّ لكلِّ الكفارِ: لا يَزالُون يُقاتِلون غيرَهم؛ حتى يَرُدُّوهم عن دِينِهم، وخصوصاً أهل الكتاب من اليهودِ والنصارى، الذين بذلوا الجمعيَّات، ونشروا الدعاة، وبثُّوا الأطبّاء، وبَنَوْا المدارس؛ لجذبِ الأممِ إلى دِينِهم، وتدخيلِهم عليهم كل ما يُمْكِنهم من الشُّبَهِ التي تُشَكِّكهم في دِينِهم" تيسير الكريم الرحمن ص 97.
[9] الاستيعابُ وبيانُ الصواب:
حيث أجتهِدُ مُستعِيناً باللهِ في الاستيعابِ بحيث لا تخلُو آيةٌ مِن تفسيرٍ، مع الاقتصارِ على أحسنِ الأقوال؛ إلا إذا تعدَّدت الفوائدُ. والحرصِ على النصِّ على الراجحِ منها عند الخلافِ؛ إلا إذا كان المعنى المرجوحُ مُتبادِراً إلى بعضِ الأفهام أو متفشِّياً في بعض الأذهان؛ فأذكره احترازاً. ولا أقول: قلتُ إلا لفائدةٍ أو للتنبيهِ على بعضِ الأمورِ أو بيان الراجحِ من أوجُهِ التفسير.
وأما فاتحةُ الكتابِ فأُطِيلُ فيها النَّفَسَ وأخُصُّها بمزيدِ عِنايةٍ على غيرِها، وأجمع من فوائدِها ولطائفِها ما يُعينُ على بيانِ عظمتِها ويُيسِّرُ تدبُّرَها وحُسنَ فهمِها؛ فهي أعظمُ سُوَرِ القرآنِ الكريم، كما جاء في حديث أبي سعيد بن المُعَلَّى الذي رواه البخاري: (قلتُ: يا رسولَ الله إنك قلتَ: لأعلمنَّك أعظمَ سورة في القرآن، قال: نعم: }الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{ هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيم الذي أوتيته)! وما أصدقَ قولَ ابنِ عبد الوهاب في (تفسير الفاتحة): "آياتُ الفاتحة كلُّ آيةٍ منها لو يعلمُها الإنسانُ؛ صار فقيهاً, وكل آية أفرد معناها بالتصانيف"! وقال السَّعدي: "هذه السورةُ على إيجازِها, قد احتوَتْ على ما لم تحتوِ عليه سورةٌ من سُوَرِ القرآن" تيسير الكريم الرحمن ص 39-40، وذَكرَ القرطبِيُّ أنها "مُتَضَمِّنةٌ لجميعِ عُلومِه" الجامع 1/113، وقال ابنُ القيم: "مَنْ تَحَقَّقَ بمعاني الفاتحة عِلماً ومعرفةً وعَملاً وحالاً؛ فقد فازَ مِن كمالِه بأوْفَرِ نَصِيبٍ، وصارَتْ عُبُودِيَّتُه عُبُودِيَّةَ الخاصَّة الذين ارتفعَتْ درجتُهم عن عوامِّ المتعبِّدين" الفوائد ص26-28.
وأما منهجي في القراءاتِ فيتمثل في إهمالِ ما كان شاذّاً؛ لعدمِ ثبوتِه. والعنايةِ بأوجُهِ القراءات المتواترة، دون استقصاءِ الخلافِ بين القراء؛ فإنَّ تَتَبُّعَ ذلك يَخرُجُ بنا عن التفسير. وإنما الغرضُ ذِكْرُ الأوجُهِ التي تتعلَّقُ بالتفسير؛ من حيث ثراءُ المعاني وتعدُّدُها، كما في اختلافِ قراءةِ حمزة الزيات: (فأزالَهما الشيطانُ عنها)، مع قراءة الجمهور: (فأزلَّهما الشيطانُ عنها)، قال ابن عاشور رحمه الله: "الإزلالُ: جعلُ الغيرِ زالاًّ: أي قائماً به الزَّلل... والضميرُ في قوله: (عنها) يجوز أن يعودَ إلى الشجرة؛ لأنها أقربُ وليتبيَّنَ سببُ الزلة وسببُ الخروج من الجنة... ويجوز كَوْنُ الضميرِ للجنة، وتكون (عن) على ظاهرِها... وقرأ حمزة (فأزالهما) بألِفٍ بعد الزاي، وهو من الإزالة بمعنى الإبعاد؛ وعلى هذه القراءة يتعيَّن أن يكون ضميرُ (عنها) عائداً إلى الجنة لا إلى الشجرة" التحرير والتنوير 1/433-434.
كما أتجنَّبُ الترجيحَ بين الأوجُهِ المتواترة؛ لأنها جميعاً كلامُ ربِّ العالمين؛ فالأَوْلَى أنْ تُوَجَّهَ القراءتان إذا كان لهما تعلُّقٌ بمعاني التفسير، كما قال القرطبي رحمه الله: "قرأ ابنُ كثير: (فتلقَّى ءادمَ من ربِّه كلماتٌ)، والباقون برفعِ (آدم) ونصب (كلمات). والقراءتان ترجعان إلى معنى؛ لأنَّ آدمَ إذا تلقَّى الكلماتِ فقد تلَقَّتْهُ، وقيل: إذا لمّا كانت الكلماتُ هي المُنقِذةَ لآدم بتوفيقِ اللهِ تعالى له لقبولِه إياها ودعائه بها كانت الكلماتُ فاعلةً". الجامع لأحكام القرآن 1/326.
وقد درجَ بعضُ المفسِّرين على الترجيحِ بين أوْجُهِ القراءاتِ المتواترة؛ مع الإعراضِ عن تحكيمِ علمِ الفواصلِ، بحيث يجزمُ ببعضِ المرجِّحاتِ على اختيارِ قراءةٍ أو روايةٍ دون أخرى، مع ثبوتِ الرِّوايتين؛ فيتوهَّم مَن لا مَعرفةَ له بالقراءاتِ أنَّ الروايةَ الأخرى لا تصحُّ؛ مُعرِضِين عن أعظمِ مُرجِّحٍ للإثباتِ والنَّفْيِ وهو ثبوتُ هذه الرواية بالتواترِ عند بعضِ القراء.
ومن أمثلةِ ذلك ما وردَ في بعضِ التفاسيرِ مِن نفيِ كَوْنِ البسملةِ آيةً مِن الفاتحة مع ثبوتِ ذلك في العَدِّ المكِّي والكُوفي لآيِ المصحفِ كما هو مُقرَّرٌ عند عُلماءِ الفواصل، قال الشاطبي رحمه الله في (ناظمة الزهر):
وأُمَّ القُرانِ الكلُّ سبـعاً يَعُـدُّها ولكنْ (عليهم) أوَّلاً يُسقِطُ (الـمُثْرِ)
ويعتاضُ (بسم الله) و(المستقيم) قلْ لكلٍّ وما عَـدُّوا (الذين) على ذِكْرِ
وشرح ذلك الشيخ عبد الفتاح القاضي رحمه الله بقوله: "كلمة (عليهم) الواقعة في الموضع الأول، وهي (أنعمتَ عليهم) يُسقطُها المرموزُ لهما بكلمة (الـمُثْر): وهما المكِّي والكوفي، ويَعُدَّان موضعَها البسملة؛ فتعيَّنَ لغيرِهما وهما المدنيَّان والبصري والشامي عدُّ (أنعمتَ عليهم) وإسقاطُ البسملة" بشير اليُسر شرح ناظمة الزّهر ص 57.
ولذلك فإنَّ منهجي في (أزاهيرِ التفسير) توجيهُ الرواياتِ المتواترةِ دون ترجيحٍ بينها؛ لأنَّ هذا الترجيحَ راجعٌ إلى التوسُّعِ المذمومِ في وَضْعِ الترجيحِ في غيرِ موضعِه كما تراه عند بعضِ المفسِّرين في ترجيحِ (مالك يوم الدِّين) على (مَلِك) أو العكس؛ مع ثبوتِ الوجهين في القراءات المتواترة؛ فمَرجِعُ (مالك يوم الدين) إلى الملكية، ومَرجعُ (مَلِك) إلى المُلك؛ فاللهُ مالِكُ المُلكِ والمُتصرِّفٌ في الخلقِ؛ فهو تعالى مَلِكٌ ومالكٌ؛ وقد صرَّحَ القرآنُ بالمعنيَيْن مُضافَيْنِ إلى يومِ الدين، فقال جلَّ جلالُه: (يومَ لا تملكُ نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمرُ يومَئذ لله)، وقال كذلك: (لمن المُلكُ اليومَ للهِ الواحدِ القهَّار).
فليت شِعري أيُّهما أوْلَى: الترجيحُ بين مَعْنَيَيْن مُتواتِرَيْن؟ أم بيانُ مُناسَبةِ الوَجْهَيْن الصَّحِيحَيْن؟! وأيُّهما أوْرَعُ في التعاملِ مع كلامِ ربِّ العالمين؟ وأسْلَمُ لِقلوبِ عامَّةِ المسلمين؟ ولَعَمْرِي إنَّ هذا مِن أثرِ التوسُّعِ في التَّرْجيحاتِ وطُغيانِ المسائلِ النظرية في فترةٍ من الفترات على عُلومِنا الإسلامية.
[10] مُراعاةُ التنوُّع:
وهذا يشمَلُ تنوُّعَ أسالِيبِ التعبيرِ عند أهلِ التفسير، وتنوُّعَ المادةِ المختارة مِن عُيونِ الأدبِ والشِّعرِ وقصصِ الصالحين مما يعتني به جهابذةُ المفسِّرين؛ وينتفع به طلابُ العلمِ الموفَّقُون. وأما أحكامُ الفقهِ وفوائدُ اللغة؛ فأذكُرُ ما تمسُّ إليه الحاجةُ منهما؛ فمن أرادَ استقصاءَها مِن طُلابِ العلم؛ فكُتُبُ التفسيرِ تروي الغليل.
يتبع إن شاء الله                                                                              أعلى

¼¸،‌ظG

 


إصدارة جديدة

 ختان الإناث الشرعي  رؤية طبية  

المؤلف:د ست البنات خالد

عرض الكتاب»

 

جميع الحقوق  محفوظة الإ للنشر الدعوي مع الإشارة للمصدر  موقع منظمة أم عطية 2004  اتصل بنا  info@umatia.org

 السودان - الخرطوم